خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
1464063
زوار الشهر :
57333
زوار اليوم :
77


قصة امرأة العزيز في 2/11/1429هـ

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ آياتٍ بيناتٍ، وفصلها سورًا وآياتٍ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبيِّ الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم حتى المماتِ. أمّا بعدُ: أيّها النَّاسُ! اتقوا ربَّكم واشكروه، واعملوا بالقرآنِ وتدبروه، فقد جعلَهُ اللهُ سدًّا منيعًا لمواجهةِ فتنِ الشبهاتِ والشهواتِ. عبادَ اللهِ: مواصلةً لسلسلةِ (قصصِ النساءِ في القرآنِ)وكنا قد بدأْنَا الحديثَ بقصةِ أمِّ البشرِ حواءَ عليها السلامُ، ثمَّ أتبعنَاها بقصةِ امرأةِ نوحٍ وامرأةِ لوطٍ، وها نحنُ اليومَ نتحدثُ عن امرأةٍ ذُكِرتْ في القرآنِ، هيَ امرأةُ وزيرٍ من وزراءِ الأرضِ، امرأةٌ لها مكانةٌ اجتماعيةٌ عاليةٌ، ألا وهي امرأةُ عزيزِ مصرَ، وهو الوزيرُ، وقيل اسمُه: قِطفير، وأما هيَ فقيلَ اسمُها: زُلَيْخَا، وقيل:راعيل. ذُكرت قصتُها في سورةِ يوسفَ لِما دارَ بينها وبينَ يوسفَ عليهِ السلامُ في قصرِها، فإنه لَمَّا تركَ أخوةُ يوسفَ يوسفَ في البئرِ جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ، قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ، وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً، ثم باعوهُ لعزيزِ مصرَ{بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ} فوصَّى العزيزُ امْرَأَتَهُ قائلاً:{أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}وَلَمَّا بلغَ يوسفُ أشدَّه، واكتملتْ قُوَاهُ الحسيةُ والمعنويةُ، وصَلُحَ لتحملِ الأحمالِ الثقيلةِ، جعلَه اللهُ نبيًّا رسولاً وعالماً ربانياً، وأعطاهُ الحكمَ بينَ الناسِ والعلمَ الكثيرَ والنبوةَ، وأعطاهُ اللهُ Uجمالاً لم يُعطِهِ أحداً من خلقِه في زمانِه، فلقد أوتي شطرَ الحسنِ والجمالِ، فتعرضَuلمحنةٍ عظيمةٍ شديدةٍ، هيَ أعظمُ من محنتِه معَ إخوتِه، ألا وهيَ محنةُ امرأةِ العزيزِ، إذ أنه uبقيَ مُكَرَّمًا في بيتِ العزيزِ، وكانَ جمالُه سبباً لمراودتِه من امرأةِ العزيزِ،كما قالَ تعالى:{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ}فهو غلامُها وتحتَ تدبيرِهَا، والمسكنُ واحدٌ، فيتيسرُ إيقاعُ المكروهِ من غيرِ إشعارِ أحدٍ، ولا إحساسِ بشرٍ، ولكن مما زادَ المصيبةَ أن غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وصارَ المحلُّ خالياً، وهما آمنانِ من دخولِ أحدٍ عليهِما، بسببِ أن الأبوابَ كلها مُغَلَّقَةً، وتأتي هنا خطورةُ الخلوةِ بينَ الرجلِ والمرأةِ الأجنبيةِ عنهُ دونَ أن يكونَ معهما أحدٌ، فهي معصيةٌ وبابُ شرٍّ مستطيرٍ! وليسا هما وحدَهما، بلِ الشيطانُ معهُما، كما أخبرَ بذلكَ الصادقُ المصدوقُr ففي المسندِ لأحمدَ بسندٍ صحيحٍ، أنَّ النبيَّrقالَ:"لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا" فهنا يقومُ الشيطانُ بدورِه ليُزَيِّنَ من خلا بامرأةٍ أو من خلتْ برجلٍ المعصيةَ والفاحشةَ، حتى يُودِي بِهمِا إلى الزنا والعياذُ باللهِ، فالشيطانُ يجري من ابنِ آدمَ مجرى الدمِ في العروقِ، فهو الذي توعدَ ابنَ آدمَ مقسمًا: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}فالشيطانُ بالمرصادِ لكلِّ من عبدَ اللهَ وأطاعَه وسارَ على منهجِه، فالحذرَ الحذرَ من سبلِ إغوائِه، وحيلِهِ والْتِوَائِه، أسألُ اللهَ أن يعصمَني وإياكُم منَ الشيطانِ الرجيمِ، فالخلوةُ بالمرأةِ الأجنبيةِ خطرُهُ جسيمٌ، ففتنةُ النساءِ أضرُّ فتنةٍ كما روى البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ النَّبِيِّr قَالَ: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ" فالشيطانُ يكونُ بينهما يُسَوِّلُ ويُزَيِّن لهما الشَرَّ، لذا لما خلتِ امرأةُ العزيزِ بيوسفَuفي حضرةِ الشيطانِ قالتْ:{هَيْتَ لَكَ} أقبِلْ عليَّ، وافعَل، ومعَ توفُّرِ كلِّ السبلِ، فهوَ في بيتِها، وهي من تَعرِض، والأبوابُ مغَلَّقةٌ فلا مفرَّ، وهي سيدةُ البيتِ بل سيدةُ النساءِ، وهوَ غريبٌ والغريبُ لا يحتشمُ كما إذا كانَ في وطنِه وبينَ معارفِه، وهو أسيرٌ تحتَ يدِهَا، وهيَ سيدتُهُ، وفيها منَ الجمالِ ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شابٌ عزبٌ، وقد هدَّدَتْهُ وتوعَّدَتْهُ إن لم يفعلْ ما تأمرُهُ بهِ بالسجنِ أوِ العذابِ الأليمِ، ومعَ ذلكَ كلِّه استعانَ بربِّهِ، ولجأَ لمولاهُ واعتصمَ بهِ وصبرَ عن معصيةِ اللهِ قائلاً:{مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، إنهُ درسُ العفةِ والعفافِ خاصةً في مثلِ زمانِنا هذا، إنهُ درسُ الفضيلةِ ومجاهدةِ النفسِ، درسٌ حيٌّ يتراقصُ للشبابِ والفتياتِ، فيمكنُ أن تنتصرَ الفضيلةُ مهما توافرتِ الدواعي للرذيلةِ إذا كانَ حبُّ اللهِ وخوفُه قد خالطَ سويداءَ القلبِ يا شباب، وقد ثبتَ في الصحيحينِ أنَّ رسولَ اللهِ r قالَ:((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ وذكر منهم: وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)). وخيرٌ من ذلكِ كلِّهِ:البعدُ عنِ الفتنةِ وإغلاقُ البابِ بدايةً وسدُ المنافذِ أولاً،مِن تساهلٍ بمكالماتٍ هاتفيةٍ، أو مشاهداتٍ إباحيةٍ، أو خلوةٍ غيرِ شرعيةٍ، حتى ولو كانتْ خادمةً تعملُ في البيتِ، حتى ولو كانت خلوةُ المرأةِ بالسائقِ الأجنبيِّ عنها في السيارةِ، فقد سُئِلَ سماحةُ العلامةِ ابنُ بازٍ رحمهُ اللهُ: ما حكمُ ركوبِ المرأةِ معَ سائقٍ أجنبيٍّ عنها وحدَهَا ليُوصِلَهَا في داخلِ المدينةِ؟ وما الحكمُ إذا ركبت المرأةُ ومجموعةُ النساءِ مع السائقِ وحدَهُنَّ؟ فأجابَ قائلاً: لا يجوزُ ركوبُ المرأةِ معَ سائقٍ ليسَ محرماً لها وليسَ معهُمَا غيرُهُما، لأنَّ هذا في حكمِ الخلوةِ، وقد صحَّ عن رسولِ اللهِrأنه قالُ:  "لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا"،وأما إن كانَ معهُما رجلٌ آخرُ أو أكثرُ أو امرأةٌ أخرى أو أكثرُ فلا حرجَ في ذلكَ إذا لم يكن هناكَ ريبةٌ، لأنَّ الخلوةَ تزولُ بوجودِ الثالثِ أو أكثرْ وهذا في غيرِ السفرِ، أما في السفرِ فليسَ للمرأةِ أن تسافرَ إلا معَ ذِي محرمٍ"، فلنحذرْ يا عبادَ اللهِ ولنلتزِم بشرعِ اللهِ، فإن فيه نجاةً وسلامةً، وكم من متساهلٍ أو متساهلةٍ عضَّ أصابعَ الندمِ، ولكنْ بعدَ فواتِ الأوانِ، فما أجملَ الاعتصامَ بالشرعِ، وتأملوا آثارَ فتنةِ الخلوةِ وما جرى ليوسفَ عليهِ السلامُ بسببِهَا من سجنٍ وأحداثٍ،{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}فالمتدبرُ لهذهِ الآيةِ يجدُ أنَّ امرأةَ العزيزِ كادتْ ليوسفَ وافتُتِنَتْ بهِ افتِتَانًا شديداً، وضعُفَت أمامَه، وغلبَ عليها جانبُ العاطفةِ، فأرادت منه فعلَ الفاحشةِ معها، فتزيَّنَتْ وَتَهَيَّأَتْ بكاملِ زينتِها لتكونَ الفتنةُ أشدَّ، فلقد هَمَّتِ المرأةُ بفعلِ المعصيةِ، ولولا أنَّ يوسفَ uرءَا برهانَ ربِّهِ لَهَمَّ هوَ الآخرُ لطبعِهِ البشريِّ، قيلَ: هَمُّه خاطرٌ قلبيٌّ غريزيٌّ لكنَّه مزمومٌ بالتقوى، فلما رءَا برهانَ ربِّه لم يحصُل منهُ همٌّ أصلاً بناءاً على أنَّ الهَمَّ معلقٌ بأداةِ الامتناعِ التي هيَ (لولا) واللهُ أعلمُ، والمهمُّ أنَّ اللهَ Uعصمَه منَ الوقوعِ في المعصيةِ{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}سبحانَ اللهِ! مراودةٌ وإصرارٌ من جانبٍ، واستعصامٌ وعفةٌ وإصرارٌ عليهِ من جانبٍ آخرَ، فهوuيريدُ الفرارَ بدينِه، فقد حاولَ الهروبَ منها فبادرَ إلى الخروجِ منَ البابِ، فقامتِ المرأةُ ممسكةً بِهِ، متعلقةً بثيابِه، حتى قَدَّتْ قميصَه من دبُرٍ، فما أن وصَلا إلى البابِ، حتى كانتِ المفاجأةُ بأنْ وجَدَا الزوجَ على البابِ، فرأى أمراً شقَّ عليهِ، فبادرتِ المرأةُ من شدةِ كيدِها ليوسفَ إلى الكذبِ، وأن المراودةَ كانتْ منهُ، اتَّهَمَتْهُ تُهمةً كبيرةً بأسلوبٍ يجعلُ الزوجَ يشتدُّ غلظةً وغيظاً على يوسفَuوذلكَ بقولِها:{مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فَعَجَّلَ يوسفُ بدفعِ التهمةِ، وبرَّأَ نفسَه مما اتُّهِمَ بهِ فقال:{هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}فلو أنَّ في نفسِه ذرةً منَ السوءٍ ما استطاعَ أن ينطقَ بكلمةٍ في مثلِ هذا الموقفِ، قالَ ابنُ سعديّ: فاحتملتِ الحالُ حينئذٍ صدقَ كلِّ واحدٍ منهُما ولم يعلمْ أيُّهُمَا، ولكنَّ اللهَ تعالى جعلَ للحقِّ والصدقِ علاماتٍ وأماراتٍ تدلُّ عليهِ، قد يعلمُها العبادُ وقد لا يعلمُونَها، فمنَّ اللهُ في هذه القضيةِ بمعرفةِ الصادقِ منهُما، تبرئةً لنبيِّه وصفيِّه يوسفَu، فانبعثَ شاهدٌ من أهلِ بيتِها، يشهدُ بقرينةٍ، هذهِ القرينةُ تشهدُ للقرآنِ كيفَ وضعَ أصولَ علمِ الجريمةِ والجناياتِ وأدلتِها وشواهدِهَا، وعلمِ الإدعاءِ والتحقيقِ وإثباتِ أو نفيِ التهمِ للتعدياتِ والحقوقِ، فما أعظمَ القرآنَ وإرشاداتِه فهوَ مصدرُ كلِّ علمٍ، وأساسُ كلِّ فنٍّ لو تدبَّرْنَاهُ وعمِلْنَا بِهِ ،قال شاهدُ القصةِ: هناكَ قرينةٌ من وُجِدَتْ مَعَهُ فهوَ الصادقُ:{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}لأنَّ ذلكَ يدلُّ على أنَّه هُوَ المقبلُ علَيْهَا، المراودُ لها الباغي عليها، وأنها أرادتْ أن تدفَعَهُ عَنْهَا، فشَقَّتْ قميصَه من هذا الجانبِ{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ}لأنَّ ذلكَ يدلُّ على هروبِهِ منها، وأنَّها هي التي طلبَتْهُ فشقَّت قميصَه من هذا الجانبِ،{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} عرفَ بذلكَ صدقَ يوسفَ وبراءَتَه، وأنها هي الكاذبةُ، فقالَ لها سيدُها:{إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}وهل أعظمُ من هذا الكيدِ، الذي برَّأَتْ بهِ نفسَهَا مما أرادتْ وفعلتْ، ورمتْ بهِ نبيَّ اللهِ يوسفَ u، ثم إن سيدَهَا لما تحققَ الأمرُ، قالَ ليوسفَ:{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} أي: اتركِ الكلامَ فيهِ وتَنَاسِهِ ولا تذكرْه لأحدٍ، طلبًا للسترِ على أهلِهِ، {وَاسْتَغْفِرِي}يا زُلَيْخَا{لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}فأمرَ يوسفَ بالإعراضِ عن ما رأى وسمعَ وعدمِ الخوضِ فيهِ، وأمرَهَا بالاستغفارِ والتوبةِ. قالَ ابنُ كثيرٍ:{واستغفري لذنبِكِ} يقولُ لامرأَتِهِ ذلكَ وقد كانَ لينَ العريكةِ سهلاً، أو أنَّه عذرَهَا لأنَّها رأتْ ما لا صبرَ لَهَا عَنْهُ، فقالَ لَهَا: استغفِري لذنبِكِ، أي الذي وقعَ منكِ من إرادةِ السوءَ بِهذا الشابِّ ثم قَذْفِه بما هُوَ بَرِيءٌ منهُ، استغفِرِي من هذا الذي وقعَ منكِ،{إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}ولكنَّ الخبرَ شاعَ وانتشرَ في البلدِ، وأخذتِ النساءُ تتحدثُ فيهِ، فجعَلْنَ يلُمْنَهَا،{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ}أخذَ نساءُ الكبراءِ والأمراءِ يُنكِرْنَ على امرأةِ العزيزِ، ويَعِبنَ ذلكَ علَيْهَا{امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ}أي تحاولُ وتدعوهُ إلى نفسِهَا{قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}. قالَ الضحاكُ عنِ ابنِ عباسٍ:الشغفُ الحبُّ القاتلُ,والشِّغَافُ حِجَابُ القلبِ.{إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}بسببِ صنيعِها هذا وحُبِّها فتاها ومراودتِها إياهُ عن نفسِهِ,{فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ}أي: بالقيلِ والقالِ والغيبةِ لَهَا، وقال ابنُ إسحاق: بلغَهُنَّ حسنُ يوسفَ, فأحبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ, فقُلنَ ذلكَ القولَ ليَتَوَصَّلْنَ إلى رؤيتِهِ ومشاهدتِهِ, ولِهَذا سمَّاهُ اللهُ مكراً، فعندَ ذلكَ {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ}أي دَعَتْهُنَّ إلى منزِلِهَا{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً}.وهو المجلسُ المعدُّ فيه مفارشٌ, ومخادٌّ, وطعامٌ، وفيهِ ما يقطعُ بالسكاكينِ منْ أُتْرُجٍّ ونحوِهِ, ولهذا قالَ تعالى:{وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا}وكانَ هذا مكيدةً منها ومقابلةً لَهُنَّ في احتيالِهن على رُؤيَتِهِ{وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ}،{فَلَمَّا}خرجَ و{رَأَيْنَهُ، أَكْبَرْنَهُ} أي أعظمْنَه وأعظمْنَ شأنَه, وأجللْنَ قدرَه, وجعلْنَ يُقَطِّعْنَ أيدِيَهُنَّ دهشاً برؤيتِه, وهنَّ يَظْنُنَّ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُجَّ بالسكاكينِ, والمرادُ أنَّهُنَّ حَزَزْنَ أيديَهُنَّ بِهَا. وقد ذكرَ غيرُ واحدٍ أنَّها قالتْ لَهُنَّ بعدَ ما أَكَلْنَ وطابتْ أنفسُهُنَّ, ثم وضعتْ بينَ أيديهِنَّ أُتْرُجًّا وآتت كلَّ واحدةٍ منهُنَّ سِكِّينًا: هلْ لكُنَّ في النظرِ إلى يوسفَ؟ قُلنَ: نَعَم, فبعثَتْ إليهِ تَأْمُرُهُ أنِ اخرُجْ إليهِنَّ, فلمَّا رأيْنَهُ جَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ, ثُمَّ أَمَرَتْهُ أن يَرجِعَ لِيَرَيْنَهُ مُقْبِلاً ومُدْبِرًا, فرجَعَ وَهُنَّ يحزِزْنَ في أيدِيهِنَّ, فلمَّا أَحْسَسْنَ بالألمِ جَعَلنَ يُوَلْوِلْنَ, فقالتْ: أنتُنَّ من نظرةٍ واحدةٍ فَعَلْتُنَّ هذا, فكيفَ أُلامُ أنا؟{وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} لأنَّهُنَّ لَمْ يَرَيْنَ في البشرِ شبيهَهُ ولا قريباً منهُ, فإنهuكانَ قد أُعطِيَ شِطْرَ الحُسنِ كما ثبتَ ذلكَ في الحديثِ الصحيحِ في حديثِ الإسراءِ أنَّ رسولَ اللهِrمرَّ بيوسفَuفي السماءِ الثالثةِ, قالَ:"فإذا هوَ قدْ أُعطِيَ شطرَ الحُسنِ"وقالَ حمادُ بنُ سلمةَ, عن ثابتٍ,عن أنسٍ, قالَ: قال رسولُ اللهِr: "أُعطِيَ يوسفُ وأمُّه شِطرَ الحُسنِ". وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ, قال: "كانَ وجهُ يوسفَ مثلَ البرقِ, وكانتِ المرأةُ إذا أتَتْهُ لحاجةٍ غَطَّى وجْهَهُ مخافةَ أنْ تُفْتَتَنَ بِهِ". فلهذا قالَ هؤلاءِ النسوةُ عندَ رُؤْيَتِهِ{حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ}تقولُ هذا مُعتذرةً لنفسِهَا بالافتتانِ بِهِ بأَنَّ هذا حقيقٌ أن يُحَبَّ لِجَمَالِه وكَمَالِه, فلَمَّا رأَتْ افتِتَانَهُنَّ أَيْضًا بِهِ صَرَّحَتْ بِمَا اقْتَرَفَتْ بِقَوْلِهَا:{وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أيْ فامتَنَعَ واسْتَمْسَكَ. ثُمَّ عَاوَدَتِ المراودةُ مرةً أخرى جِهَارًا وبِمَحضَرٍ مِنْهُنَّ، بَل وتَوَعَّدَتْ بسجنِهِ وإذلالِهِ، وهيَ الآنَ تأمُرُهُ أَمْرًا فهيَ السيدةُ وهوَ غلامُهَا، فَقَالَتْ:{وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}وفيهِ جرأةُ المرأةِ إذا ضَعُفَتْ قِوَامَةُ الرَّجُلِ عَلَيْهَا، وَقَلَّ خَوْفُهُا مِن اللهِ، فإنَّ هذا من أسبابِ انهيارِ البيتِ وفسادِه وتمادِي أهلِه بالباطلِ، فموقفُ العزيزِ باردٌ تجاهَ امرأتِهِ معَ ثبوتِ خَطَئِهَا وجُرْأَتِهَا بطلبِ الفاحشةِ جَهْرًا، وعندَ ذلكَ زادتْ عفةُ يوسفَuواستعاذَ باللهِ من شرِّ النسوةِ وكيدِهِنَّ, وضاقَ عليهِ الأمرُ واشتدَّ فقالَ مُسْتَنْجِدًا:{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}أي منَ الفاحشةِ{وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: يا ربِّ لا تَكِلْنِي إلى نفسِي، فلا أملكُ لَهَا ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا بِحَولِكَ وقُوَّتِكَ, فأنتَ المستعانُ وعليكَ التُّكْلانُ, يا ربِّ لا تَكِلْنِي إلى نفسِي فـ{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ*فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} تَدَبَّرُوا قولَهُ:"فَاسْتَعْصَم" ولم يقُل: فَاعْتَصَم، وهكذا من أرادَ النجاةَ منَ الفتنةِ حَقًّا، فيوسفُu استعصمَ بِرَبِّه مُلِحًّا مُنَاجِيًا داعيًا مُستَغِيثًا، فهو يعلَمُ شدةَ الفتنةِ وخَطَرَهَا، فاستجابَ اللهُ لَهُ وعَصَمَهُ وَحمَاهُ فامتنعَ منها أشدَّ الامتناعِ, واختارَ السجنَ على ذلكَ خوفًا منَ اللهِ ورجاءَ ثوابِه، وفي ذلكَ عبرةٌ لكلِّ مفتونٍ،كيفَ تكونُ النجاةُ؟ وما علاجُ سعارِ الشهوةِ؟ إرادةٌ وعزيمةٌ، وإيمانٌ وصدقٌ معَ اللهِ، ثمَّ دعاءُ مضطرٍّ يُريدُ النجاةَ والفِكَاكَ، معَ اعترافٍ وانطراحٍ وانكسارٍ ومناجاةٍ، فأينَ أسارَى الشهوةِ والشبقِ وسعارِ الجنسِ من هذِهِ الوسائلِ لعلاجِ ما يشكُونَ وَيجِدُونَ، فإنَّ اللهَ سميعٌ عليمٌ، وهوَ لطيفٌ خبيرٌ فهوَ وَعَدَ وَبَشَّرَ سبحانَه فقالَ:".. وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً". اختارَ يوسفُ السجنَ على الجرِيمَةِ فَسُجِنَ، فصبرَ وجاهدَ نفسَهُ وَتَحَمَّلَ من أجلِ الفضيلةِ، فالسجنُ أحبُّ منَ الرذيلةِ، فسُجنَ يوسفُ لحكمةٍ وتدبيرٍ منَ الحكيمِ الخبيرِ، ثمَّ ذَكَرَ القُرآنُ خِتامَ هذهِ القصةِ وهُو ما جَرَى بحضرةِ العزيزِ، وذلكَ أنَّه سَأَلَ النسوةَ{قال مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}؟وكانَ ذلكَ بطلبٍ من يوسفَ فقد رفضَ الخروجَ من السجنِ إلا بعدَ أن تظهرَ براءَتُه {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}فَأَجَبْنَ النسوةُ قائلاتٍ:{قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} فعندَ ذلكَ{قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} ظهرَ الحقُّ وتبينَ ووضحَ، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ {أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} أي فيما يقولُه من أنهُ برئٌ وأنه لم يراوِدُنِي بلْ حُبِسَ ظُلْمًا،

ثم ذَكَرَتْ أنَّ اعترافَها هذا ليعلَمَ زوجُهَا أنَّهَا لمْ تخُنْهُ بارتكابِ الفاحشةِ، وأنَّ الذي كانَ منهَا إنما هوَ المراودةُ فقط، ثمَّ قالت: ولستُ أُبَرِّئُ نفسي فإنَّ النفسَ تَتَحَدَّثُ وَتَتَمَنَّى، ولِهَذا راوَدتهُ لأنها أمارةٌ بالسوءِ "إلا مَا رَحِمَ رَبِّي" أي: إلا منْ عَصَمَهُ اللهُ. نسألُ اللهَ أن يعصِمَنَا ويحفَظَنَا منَ الفتنِ ما ظهرَ منهَا وما بطنَ، وأن يُعَمِّرَ قُلُوبَنَا بالإيمانِ ومراقبةِ اللهِ.بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

   الخطبة الثانية:

   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فاتقوا الله الله عباد الله، وتدبروا القرآن، وخذوا منه العظة والعبرة، واعملوا بما فيه، فهو دستور حياة ومنهج عمل. اللهم فقهنا بالدين وارزقنا تدبر القرآن والعمل به يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في فلسطين وفي كل مكان يا رب العلمين،وانتقم لهم من الظالمين، اللهم انصر جندَك وكتابك وسنة نبيك، وأعل كلمة الحق، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهلُ الطاعةِ، ويُهْدَى فيه أهلُ المعصيةِ. اللهم أصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم ألف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم، اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم صل وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم  بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.




طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :