خطبة الجمعة
دخول الأعضاء
الاسم :

كلمة المرور :
القائمة البريديه
الإيميل :

جديد الموقع على جوالك
رقم الجوال :

زوار الموقع
عدد الزوار :
15571819
زوار الشهر :
116774
زوار اليوم :
4466


الرزق وأسبابه في 15/1/1431هـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فقد أولى الخالق المنعم سبحانه وتعالى الإنسانَ الرعاية التامة، وكرَّمه أيما تكريم فلم يحظَ به أي مخلوق سوى الإنسان على وجه هذه البسيطة، ألم يخلق الله سبحانه وتعالى أبانا آدم بيده؟ وأسجد له ملائكته وهم المكرمون من خلقه؟ وأسكنه من فضله ورحمته فسيح جنته؟ أضف إلى كل هذا أنه جعله خليفة في أرضه، وسخر له جميع مخلوقاته، ورزقه من الطيبات وعلمه أسماء كل شيء من خلقه، وخصه بفضله وكرمه بميزة العقل ليميز به ما ينفعه وما يضره، ويرعى شؤونه ومصالحه بنفسه،كل ذلك تكريمًا لآدم وتشريفًا،كما قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}الإسراء: 70].ثم خلقنا نحن-أبناء آدم- مِنْ نطفة جعلها فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثم مررنا بأطوار وأطوار، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، حتى استقرَّ بنا المطاف إلى إنسان متجانس الأجزاء، ومتناسب الأعضاء والأطراف، ومعتدل الخلق والقوام، والمتناهي في الحسن والجمال، وبمواصفات دقيقة وهيئات عجيبة، كما قال سبحانه ممتنًّا علينا بهذه النعم، ومؤكدًا امتنانه بالقسم:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}وقال أيضًا:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}ولو فكر كل واحد منا في خلقه وما مرَّ به من أطوار وأدوار يحتاج فيها في كل لحظة من لحظاتها إلى العناية الفائقة، والتدابير المتقنة المحكمة، لعلم بالاضطرار عظمة خالقه، وعظيم فضله ومنِّه عليه، وعلم صدق الحكمة القائلة:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"ولذا فقد دعا القرآن كثيرًا الإنسان إلى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره، إذ خَلْقُهُ من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه وفيها من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، وهو غافل عنه، معرض عن التفكر فيه، ولو فكر في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها قال تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ*مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ*مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ*ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ* ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}.عباد الله! واليوم نقف مع إحدى تجليات هذا التكريم، وعلى إحدى صور هذا الإجلال، ألا وهو تيسير الرزق، وتسهيل أسبابه، وتذليل كافة العقبات التي قد تعترض سبيله، فمنذ أن كنا جنينًا إلى أن أصبحنا رضيعًا، ثم طفلاً فيافعًا فمراهقًا فشابًّا فكهلاً فشيخًا هرمًا إلى أن نرحل من هذه الحياة، ففي كل هذه الأطوار يرزقنا الله من فضله برزق مناسب لحالنا، فسبحانه من رب رحيم {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ}فاسم الله (الرزاق)، اقتضى أن يعم برزقه كل شيء، وبرحمته وفضله كل حي{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}[هود:6].رزق الله الأجنة في بطون الأمهات، والديدان في طبقات الصخرات الصلبات، والحيتان في قعار البحار، والسباع في مهامه القفار، والطيور في أعالي الأوكار، ورزق كل حيوان وهداه لتحصيل معاشه، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فكل ما يلزمنا هو أن نتوكل على الله حق توكله، وأن نأخذ بالأسباب الجالبة للرزق ((لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا))سبحان ربنا ما أعظمه وأعظم رحمته! طيور ضعيفة، ليس لها عقل ولا حول إلا أن الله هداها إلى ما فيه بقاؤها وحياتها، فتغدو في الصباح خماصًا جائعةً، ثم تروح في المساء بطانًا ممتلئة بطونها بما يسر الله لها من الرزق والأقوات، فسبحان {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}فعقيدة المؤمن الراسخ أن رزقه مكتوب ومقدر، مثل أجله وعمله، وشقاوته وسعادته وهو في بطن أمه، وقبل أن يُنفخ فيه الروح، ينال ذلك بالأسباب المقدرة له كما في حديث ابن مسعود المتفق عليه قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِr وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ،وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ،وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ))

توكلت في رزقي على الله خالقي..وأيقنت أن الله لا شـك رازقي

وما يك من رزقٍ فليس يفوتنـي... ولو كان في قاع البحار العوامق

سيأتي به الله العظيـم بفضلـه... ولو لم يكن مني اللسان بناطــق

ففي أي شـيءٍ تذهـب حسـرةً ...وقد قسم الرحمن رزق الخلائق

أيها المؤمنون! ومع كل هذه التسهيلات والتيسيرات من رب الأرض والسموات في باب الرزق إلا أننا نلحظ كثرة شكاوى بعض الناس، وتذمرهم من قلة الأرزاق، وضيق المعاش، وارتفاع الأسعار، وشح المصادر، فتراهم في حسرة المال صرعى، يتجرعون غصص البلوى، ويرفعون أكف الشكوى. فهذا مهموم محزون، وآخر مثقلٌ بالديون، وثالث يدعو على نفسه بالويل والثبور، وهكذا كلٌ حول فتنة المال يدور. فيا تُرى ما السر في ذلك؟ وهل هم محقون في هذه الشكوى أم أنهم مخطئون؟ فأقول وبالله التوفيق: أيقنوا يا عباد الله أن دوام الحال من المحال، والمسلم يعتقد اعتقادًا جازمًا أن ربه لا يضيق عليه في الرزق بخلاً وشحًّا، فإنه جواد رحيم، وهّاب كريم، كما قال سبحانه عن نفسه في الحديث القدسي:((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)). وكما قالr:(( يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ)). وإنما الله سبحانه وتعالى يبتلي الخلق بتغيير أحوالهم، فحينًا يبسط عليكم أرزاقه ونعمه، وحينًا آخر يقدر عليكم ويضيق في الأقوات والأرزاق، ليبتليكم في السراء والضراء، فهل تشكرونه في السراء، وتصبرون على قدره في الضراء، أم أن البعض منا يكون كمن أخبر الله عن حاله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}فلله الحكمة البالغة في التوسعة والتيسير، والتضييق والتعسير، فأحكامه كلها عدل ورحمة، وحُكْمُهُ مصلحة للعباد في دنياهم وأخراهم:{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فله الحمد في منعه وفي عطائه، وفي السراء وفي الضراء، فعلى العباد إذا وسع عليهم أرزاقهم أن يشكروه، ويقوموا بما يجب عليهم في هذه الأرزاق، وإذا قدرت عليهم أرزاقهم أن يصبروا على تقدير الواحد الخلاق، فهو أعلم بمصالحهم منهم، بل هو أرحم بهم من أمهاتهم، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}وقال:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ومن حِكم هذا البسط والسعة على البعض، والتضييق والتقدير على الآخرين: التنبيه إلى أن الناس إن كانوا متفاوتين في هذه الدار الفانية فهم كذلك متفاوتون في درجات الآخرة، إلا أن التفاوت في درجات الآخرة أعظم وأكبر وأجل وأبقى:{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}. فإذا كانت الآخرة أكبر الدرجات وأكبر تفضيلاً فإنه ينبغي أن نتسابق إلى درجاتها العالية وحياتها الباقية ذلك خير وأحسن تأويلاً. عباد الله! إن ما نشهده من تراجع في الأرزاق والأقوات وانحسار، وارتفاع في السلع والأسعار، وشح في المصادر وقلة في الأمطار، ليس يحصل أول مرة، بل هو دارج ضمن سنن الله في الكون، فرياح التغيير تهب بين فينة وأخرى حسب ما يُحدث الناس من أمور مخالفة للشرع، بدليل قوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وما على العبد منا إلا أن يُراجع نفسه، وأن يُعلن الرضا بالقضاء، فإن الرضا بالقضاء هو جنة المؤمن في الحياة الدنيا، يقول ابن القيم رحمه الله:"الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنىً وأمناً، وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظُّه من الرضا، امتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه ولست هنا إخوة الإيمان: بصدد تقبيح المال أو التشكيك في دوره البنّاء إن كان بيد رجل صالح، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، وإن المال هو عصب الحياة وشقيق الروح، وبقدر ما يتمنى المرء الحياة والبقاء فهو يتمنى المال، كما في حديث أنس بن مالكtأن النبي r قال:((يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ)) متفق عليه. نعم، إن المال نفيس ومحبوب للنفوس، ومع هذا، فإن الخسارة في المال مهما كانت فلن تعادل خسارةَ الدين والأخلاق، وخسارةَ الأنفس والأرواح. فهو كالنبات ينبت ثم يزول ثم ينبت وهكذا. يقول الشافعي: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها   وسيق إلينا عذبها وعذابها

فلم أرها إلا غرورًا وباطلاً    كما لاح في ظهر الفلاة سرابها

وما هي إلا جيفة مستحيلة      عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها   وإن تجتذبها نازعتك كلابها

ثم تنبهوا عباد الله! أن أبواب الرزق متعددة كثيرة، فإن انقطع عنك من باب فاطرق أبوابًا أخرى تجدها مفتوحة بمصراعيها، فانغلاق باب لا يعني أن الأبواب كلها موصدة، بل يعني: أنه لا بد من بذل الأسباب، ثم قرع الأبواب، فمن ظن أن الرزق يأتيه دون سعي وبذل فقد أخطأ طريق الرزق، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً، فلا بد من صَنعة بيدك، ولا بد من إتقان حرفة (ما) لتحصل على الرزق المكتوب، فقد كانr يرعى الغنم لأهل مكة مقابل أجر يتقاضاه منهم، كما كان يتاجر بمال خديجة رضي الله عنها، بل كان يسافر المسافات البعيدة للتجارة وطلب الرزق. وبعد أن أكرمه الله تعالى بالنبوة كان في بيته في مِهنة أهله: يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أي واحد من أصحابه، وكان يفلِّي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه..، إذاً يا من تريدون الأرزاق، وتتمنون الغنى لابد من فعل  الأسباب الجالبة للرزق، وهي كثيرة:ومن أولها وأعظمها ما ذكره الله بقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}إذاً أمرنا بالسعي والمشي في مناكب الأرض أي جهاتها لنحصل على الرزق الحلال فنأكل منه، والناس يختلفون في طرق البحث عن الرزق: فمنهم من يحصله بالتجارة، ومنهم من يحصله بالصناعة، ومنهم من يحصله بالزراعة، ومنهم من يحصله بالوظيفة، إلى غير ذلك من الأسباب. ولذا كان عمر يقول: "لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وإنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض". وقال أيضاً:"ما من يوم تأتيني فيه منيَّتي أحب إلي من يوم أتسوَّق فيه لأهلي، أبيع وأشتري"وتدبروا كيف ختم الله الآية بعد أمرنا بالمشي في جهات الأرض ومناكبها لطلب الرزق بقوله:{وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}ففيه تحذير لعباده أن يسلكوا في تحصيل رزقهم سبلاً حرمها عليهم، فإنهم راجعون إليه ومحاسبون عليها. والسبب الثاني من الأسباب الجالبة للرزق، والذي تكرر كثيراً في القرآن، والناس عنه غافلون كأهم مصادر الرزق:تقوى الله تعالى وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فقد قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأعراف:96]،وقال سبحانه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}[الطلاق: 2، 3] فمن أطاع الله رزقه من حيث لا يخطر بباله، وجعل له مخرجًا من كل ضيق، وقالr: ((إنَّ روح القدسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ لاَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَأْخُذُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ)). والسبب الثالث من الأسباب الجالبة للرزق، والتي يغفل عنها الناس رغم النصوص الصريحة فيه:كثرة الاستغفار من قلب صادق موقن،كما قال تعالى إخبارًا عن نبيه ورسوله نوح عليه السلام:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}[نوح:10-12] وفي الحديث: ((مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا،وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ))رواه أهل السنن والبيهقي والحاكم وصححه.والسبب الرابع من الأسباب الجالبة للرزق:التوكل على الله والاعتماد عليه والاستعانة به في حصول الرزق، فإن من توكل على الله حق توكله كفاه،كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[الطلاق:3]،أي من يعتمد على الله وحده في حصول مطلوبه فهو كافيه. والسبب الخامس من الأسباب الجالبة للرزق: الدعاء والطلب بصدق ويقين بحصول الرزق، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين كما قال تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60]فقد أمرنا سبحانه بالدعاء وتكفل بالإجابة إذا لم يمنع من ذلك مانع من موانع الإجابة: كمعصية الله بترك واجب، أو فعل محرم، أو كأكل حرام أو لبسه، أو كاستبطاء الإجابة ونحو ذلك من موانع إجابة الدعاء، فأكثر أخي من الدعاء ولا تمل، فمع كل خطوة تخطوها لكسب رزق ردد دائماً: يا رزاق ارزقني وأنت خير الرازقين. اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا واسعًا. يا من لا تغيض خزائنه مع كثرة الإنفاق، اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني.والسبب السادس من الأسباب الجالبة للرزق: كثرة الحمد لله، مع الذكر والشكر لله على رزقه ونعمه عمومًا، فإن الشكر مقرون بالمزيد كما قال تعالى:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}وقال سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى}.

إِذَا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهَا   فَإِنَّ المعاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ

وَدَاوِمْ علَيْها بِشُكْرِ الإِلَهِ     فإنَّ الإلهَ سريعُ النِّقَمْ

والسبب السابع من الأسباب الجالبة للرزق:الكرم والجود والإنفاق في سبيل الله،كما قال الله تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي:مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم فهو يُخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالأجر والثواب،كما في الحديث القدسي قال الله تبارك وتعالى:((أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))مسلم. وكما قالr:((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا:اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))متفق عليه.وقالr:((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ))مسلم. فليثق المنفق بوعد الله وينفق مما رزقه الله، وسيرى أثر ذلك عياناً ويشهد لذلك كثير من حال المنفقين وبركة نفقاتهم عليهم. هذه أهم أسباب طلب الرزق التي وردت النصوص فيها صريحة واضحة، ومع ذلك يغفل عنها كثير من الناس، ومع فعل هذه الأسباب فهناك أمر مهم يحسن التذكير به وتكراره خاصة في هذا الزمن وهو: القناعة وترك الجشع والتكثر، فقد قالr:((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ))رواه مسلم.أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



ذات صله:


طباعة الصفحة     أرسل لصديق
تعليقات الزوار
الاسم :
البريد الإلكتروني :
التعيلق :
كود التحقق :
أو سجل دخولك لحفظ تعليقاتك الخاصة بك
سجل دخولك
الاسم :

كلمة المرور :